ابو القاسم عبد الكريم القشيري

340

الرسالة القشيرية

وقال ذو النون المصري : من أراد الظرف فعليه بسقاة الماء ببغداد . فقيل له : كيف هو « 1 » ؟ فقال : لما حملت إلى الخليفة ، فيما نسب إلى من الزندقة ، رأيت سقاء عليه عمامة ، وهو مترد بمنديل مصرى ، وبيده كيزان خزف رقاق ، فقلت : هذا ساق السلطان ، فقالوا : لا ، هذا ساقى العامة . فأخذت الكوز وشربت . وقلت لمن معي : أعطه دينارا . فلم يأخذه ، وقال : أنت أسير ، وليس من الفتوة أن آخذ منك شيئا . وقيل : ليس من الفتوة أن تربح على صديقك . قاله بعض أصدقائنا ، رحمه اللّه تعالى . وكان فتى يسمى « أحمد بن سهل » التاجر ، وقد اشتريت منه خرقة بياض فأخذ الثمن رأس ماله فقلت له : ألا تأخذ ربحا ؟ فقال : أما الثمن فآخذه ، ولا أحملك منة ؛ لأنه ليس له من الخطر ما أتخلق به معك ، ولكن لا آخذ الربح ؛ إذ ليس من الفتوة أن تربح على صديقك . وقيل : خرج إنسان يدعى الفتوة من « نيسابور » إلى « نسا » فاستضافه رجل ، ومعه جماعة من الفتيان ، فلما فرغوا من الطعام خرجت جارية تصب الماء على أيديهم ، فانقبض النيسابوري عن غسل اليد ، وقال : ليس من الفتوة أن تصب النسوان الماء على أيدي الرجال . . فقال واحد منهم : أنا من سنين أدخل هذه الدار لم أعلم أن امرأة تصب الماء على أيدينا أم رجلا . سمعت منصورا المغربي يقول : أراد واحد أن يمتحن نوحا النيسابوري العيار « 2 » . . فباع منه « 3 » جاريه في زي غلام ، وشرط أنه غلام ، وكانت وضيئة الوجه ، فاشتراها نوح على أنها غلام ، ولبثت عنده شهورا كثيرة ، فقيل للجارية : هل علم أنك جارية ؟ فقالت : لا ، إنه ما مسني ، وتوهم أنى غلام . وقيل : إن بعض الشطار طلب منه تسليم غلام كان يخدمه إلى السلطان ، فأبى ، فضربه ألف سوط ، فلم يسلم ، فاتفق أنه احتلم تلك الليلة ، وكان بردا شديدا ، فلما أصبح اغتسل بالماء البارد ، فقيل له : خاطرت بروحك ، فقال : استحييت

--> ( 1 ) أي حالهم . ( 2 ) العيار أي الشجاع . ( 3 ) أي باع له .